مدونة آت
كتابات شخصية
.
.

المجتمع والعمران في مقدمة إبن خلدون

 

المجتمع والعمران في مقدمة إبن خلدون

 

    يقول ابن خلدون أنَّ هناك للدولـــة خمســــة أطــــوار ، وأربعة أجيال أسرية : فالأطوار ( مرحلة البداية والتأسيس ، توطيد الحاكم نفوذه إلى أن يصبح حاكماً مطلقاً ، يبعد نفسه عن عصبيته ، يعتمد على المرتزقة في الدفاع عن الدولة ، المرتزقة تقضي على الملك) .

 

     يُعرِّف ابن خلدون الدولة بأنَّها « كائن حي له طبيعته الخاصة به، ويحكمها قانون السببية ، وهي مؤسسة بشرية طبيعية وضرورية ، وهي أيضاً وحدة سياسية واجتماعية لا يمكن أن تقوم الحضارة إلاَّ بها».

 

     يرى ابن خلدون أن التاريخ خبر عن المجتمع الإنساني الذي هو عمران العالم ، وهكذا تكون نظريته في العمران الإنساني ذات شقين أو عمادين : شق يتعلق بالتاريخ وشق آخر يتعلق بالعمران ، والشق الثاني يعتمد في تأصيل مكوناته التي تشكل العمران على دقه الشق الأول ومصداقيته ، ولذلك اهتم ابن خلدون بادئ ذي بدء بتنقية التاريخ مما لحق به من شوائــب ، فوضع قواعد لفهمه ، وأسساً للتمييز بين الروايات الصادقة والأخرى الكاذبة .

وليس من شك في أن المحاولات الجادة التي قام بها ابن خلدون في هذا الميدان قد جعلت منه صاحب منهج دقيق في التحليل ، ورؤية صادقه في الاستنتاج ، ونعني بذلك استقراء أحداث التاريخ وتحليلها واستنطاقها ، وفرز الحقائق ، والتنبيه إلى الأكاذيب ، ثم استثمار العطاء التاريخي في النطاق الاجتماعي الإنساني وقد توصل ابن خلدون من خلالها إلى تلـك النتائج التي صارت فيما بعـد منهجــا اختـص بــــه ، وقوانين عزيت إليه   .

 

     لقد كان ابن خلدون واضحاً كل الوضوح في التعبير عن مقاصده هذه وهو يكتب افتتاحية المقدمة ، ويشير إلى كل من الجانب التاريخي والجانب العمراني . وذلك كما جاء في مقدمته " في العمران وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم وما لذلك من العلل والأسباب "  ابن خلدون من منطلق منهجه هذا قد جعل المجتمع الإنساني كله ماده لدراسته وتأملاتـه ، وحقلا لتجاربه وتحليلاته ، وتتبع الظواهر الطبيعية التي تحيط بالمجتمع وتؤثر فيه في مختلف أحواله وتتابع أطواره ، في نشأته الأولى في مرحلة البداوة ، وفي استقراره في الحضر ، وفي مرحله الدولة وتأرجحها بين القوة والضعف ، والنهوض والسقوط ، والنصر والهزيمة ، وأحوال المجتمع وعناصر تكوينه ، وأساليب حياته ، وأنماط سلوكه ، وطرائق سعيه ، وما يفضى إلى نضجه ورفاهيته ، وما يؤذن بفساده وانحلاله ، كل ذلك مع الاهتمام الشديد بنظام الحكم وأسلوبه ، والحياة الاقتصادية ، والنشاط الثقافي ، وتعدد المهن.

 

     إن التصور المبدئي للعمران عند ابن خلدون يتبلور في حقيقة أن المجتمع الإنساني ضروري ، وهو يقتبس القول المشهور الذي يجري على ألسنة الحكماء بترديدهم أن الإنسان مدني بالطبع ، أي لابد له من الاجتماع ، ويلتفت ابن خلدون إلى الحقيقة الأزليـــــة

التي تتلخص في أن بقاء الإنسان على قيد الحياة مرهون بأمرين أساسيين هما : القوت أو الطعام الذي يحتاجـــه جسمــــــه لكــــي يعيش وينمو ، والدفاع الذي يقيه غائلة العدوان ، وإن كلا من تحصيل القوت والدفاع يقتضي التجمع أو الاجتماع ، والاجتماع يكون بين المرء وبني جسمه ، ومن ثم كان طبيعياً أن يعرف بالمجتمع الإنساني.

وعلى نهجه في التوضيح والتفصيل والتحليل يقرر ابن خلدون أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من الغـــذاء الذي يفترض أنه أقل قدر من الحنطة ، وأن هذا القدر من الحنطة يحتاج إلى زرع وطحن وعجن وطبخ ، وإن الزراعة محتاجة إلى حصاد ودراس ، والطحن والعجن والطبخ ومحتاجه إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري ، ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد ، فلابد من اجتماع القدرات الكثيرة من أبناء جنسه ، ولابد من التعاون بينهم لتحصيل الكفاية من الطعام.

 

     ويمثل التحليل الذي انتهى به ابن خلدون إلى ضرورة المجتمع الإنساني لتحقيق الحصول على القدر الكافي من الطعام ، يفصل الصنيع نفسه في تقرير ضرورة تجمع الأفراد لصناعة الأدوات التي تستعمل في الدفاع من رماح وسيوف وتروس ، ثم الإنسان وحده عاجز عن مدافعة الوحوش فلابد له ثانية من التعاون مع أبناء جنسه ليكون الدفاع مؤتيا ثماره .

 

يقول ابن خلدون : " وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له – أي الإنسان – قوت ولا غــذاء ، ولا تتم حياته لما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته ، ولا يحصل له أيضا دفاع عن نفسه لفقدان السلاح ، فيكون فريسة للحيوانات ، ويعالجه الهلاك عن مدى حياته ويبطل نوع البشر " ، هكذا بتفكير سهل أقرب إلى العفوية ، وأسلوب سلس عذب يربط ابن خلدون بين التعاون الإنساني في نطاق التجمع وبين فناء النوع البشري إذا حاد عن هذا السبيل . ولكن ابن خلدون يريد أن يصل إلى معنى العمران في نطاق من القول والفكر الأكثر تحديداً فيقول مستطرداً:  " وإذا كان التعاون حصل له – أي للإنسان – القوت للغذاء ، والسلاح للمدافعـة ، وتمت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه ، فإذن هذا المجتمع ضروري للنوع الإنساني ، وإلا لم يكمل وجودهم وما أراد الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم ، وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعا لهذا العلم " .

وأنه لا بد من شي آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم فيكون ذلك الوازع واحداً منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل احد إلى غيره بعدوان وهذا هو معنى " الملك " .

     وقد وصف ابن خلدون الأقاليم المعمورة ، فذكر أن الأول والثاني من الأقاليم المعمورة أقل عمراناً مما بعدها وما وجد من عمرانه فيتخلله الخلاء والقفار والرمال والبحـــر الهندي ، وذكر أن العلماء قسموا المعمور إلى سبعة أقسام من الشمال إلى الجنوب يسمون كل قسم إقليماً فأنقسم المعمور من الأرض كله على السبعة الأقاليم كل واحد منها آخذ من الغرب إلى الشرق على طوله ، فالأول منها مار من المغرب إلى المشرق مع خط الاستواء بحده من جهة الجنوب وليس وراءه هنالك إلا القفار والرمال وبعض عمارة إن صحت فهي كالعمارة ويليه من جهة شمالية الإقليم الثاني ثم الثالث كذلك ثم الرابع والخامس والسادس والسابع وهو آخر العمران من جهة الشمال وليس وراء السابع إلا الخلاء والقفار إلى أن ينتهي إلى البحر المحيـــط  كالحال فيما وراء الإقليم الأول في جهة الجنوب إلا أن الخلاء في جهة الشمال أقل بكثير من الخلاء الذي في جهة الجنوب .

 

     وختاماً لعلنا نلاحظ أن ابن خلدون وهو في مستهل حديثه عن نظريته في العمران بعيد كل البعد عن المادية التي نسبه بعض من أعجبوا به إليها ، بل إن الرجل يقرر في وضوح كامل أن معنى العمران هو ما أراده الله من اعتمار العالم ببني الإنسان واستخلافه إياهم في الأرض . فالعمران عند ابن خلدون اصطلاح قرآني صريح ، وقيمة إسلامية واضحة ، وهو استخلاف الله للإنسان في هذا الكوكب وما يحيط به ، وأن كل ما فيه مختــــــــص بــه مسخر له  .

 

المصادر والمراجع

 

1. مقدمة إبن خلدون ، عبدالرحمن بن محمد إبن خلدون ، بيروت – دار الجبل .

2. المجتمع الإنساني ، د. محمد عبدالمنعم نور ، القاهرة – مكتبة القاهرة الحديثة .

3. الأسس الإسلامية في فكر إبن خلدون ونظرياته ، د. مصطفى الشكعة ، القاهرة – الدار المصرية اللبنانية-الطبعة الثانية 1988 .

 
 

 

                  

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 15 سبتمبر, 2007 07:48 م , من قبل joriya
من البحرين

مقال ثري.. أعجبني كثيراً ..

ولأنني أعتقد أن المنهج الخلدوني الرصين في البحث العلمي وتبني الإصلاح لم يُستوعب لا في عصره ولا الآن.. هذا المنهج بحاجة لإعادة بعثه وتبنيه لإصلاح العقل والمنهج العلمي في العالم العربي المعاصر..

سلامي وجزيل شكري،
جُوريّة




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.